تقرير أممي يحذر من تقويض حق ضحايا التعذيب في الجبر والإنصاف
أمام الدورة 61 لمجلس حقوق الإنسان
على جدول أعمال مجلس حقوق الإنسان في دورته الحادية والستين، المنعقدة في جنيف، يبرز تقرير الأمين العام بشأن أزمة صندوق الأمم المتحدة للتبرعات لضحايا التعذيب بوصفه نداء استغاثة حقوقياً عاجلاً.
فالصندوق الذي شُكل منذ عام 1982 هو شريان دعم حيوي للناجين من التعذيب وأسرهم، لكنه يواجه في 2025 انهياراً تمويلياً غير مسبوق يهدد بتقويض حق الضحايا في الجبر والإنصاف وإعادة التأهيل.
وبعد أن بلغت التبرعات في 2024 نحو 11.3 مليون دولار ومكنت من دعم أكثر من 61 ألف ناجٍ حول العالم، انخفضت الموارد المتاحة في 2025 إلى 1.2 مليون دولار فقط، أي بتراجع نسبته 88 بالمئة، وهو الأكبر في تاريخ الصندوق.
تعدد أشكال التعذيب
في المقابل، ارتفع الطلب على الدعم بنسبة 28 بالمئة، وإذا استمر هذا المسار، فلن يتمكن الصندوق في 2026 من مساعدة سوى أقل من 10 آلاف ناجٍ، مقارنة بأكثر من 185 ألفًا مهددين بفقدان خدمات أساسية عبر 250 منظمة مجتمع مدني تقدمت بطلبات تمويل.
ويذكر التقرير بأن التعذيب لم ينحسر، بل يتخذ أشكالاً متعددة في أماكن سلب الحرية، ومؤسسات الصحة النفسية، وأثناء الاحتجاجات، وتحت ذرائع مكافحة الإرهاب، كما يُستخدم في سياقات النزاعات المسلحة أحياناً بوصفه سلاحاً ممنهجاً.
ويظل العنف الجنساني أحد أكثر أشكال التعذيب انتشاراً في العالم. وفي هذا السياق، يصبح تمويل خدمات إعادة التأهيل الطبية والنفسية والاجتماعية والقانونية التزاماً قانونياً وأخلاقياً، لا منحة اختيارية.
ويعمل الصندوق عبر قنوات مساعدة تشمل منظمات غير حكومية، وروابط ضحايا، ومراكز علاج، ومكاتب مساعدة قانونية. وتُمنح التمويلات لمشاريع تقدم دعماً مباشراً يعالج الآثار البدنية والنفسية والاجتماعية للتعذيب، وفق معايير مقبولية دقيقة تركز على الاحتياج والجدارة والأثر.
مواجهة الطوارئ الإنسانية
كما يتيح آلية منح عاجلة خارج الدورة السنوية لمواجهة الطوارئ الإنسانية أو الأعمال الانتقامية ضد جهات متعاونة مع الأمم المتحدة.
وفي دورة 2025 مول الصندوق 186 منحة سنوية في 92 دولة بقيمة 8,08 مليون دولار استفاد منها أكثر من 56 ألف ضحية، وأطلق نداءً عاجلاً لدعم الناجين في سوريا، إذ قدم بموجبه 14 منحة بقيمة 632 ألف دولار.
كما فحص 31 طلباً عاجلاً في سياقات أزمات أخرى، ومول ثلاث منظمات بقيمة 169 ألف دولار لخدمة 1345 ناجياً، غير أن القيود المالية أجبرت مجلس الأمناء على تعليق التمويل العاجل اعتباراً من سبتمبر 2025.
ويكشف الوضع المالي فجوة خطيرة، حيث تلقى الصندوق في 2025 تبرعات من 14 دولة وهيئات عامة بقيمة 1.23 مليون دولار فقط، مقارنة بأكثر من 11.38 مليون في 2024، كما تواجه دورة 2026 فجوة تمويلية تتجاوز 17.4 مليون دولار قياسًا إلى الطلبات المقبولة والمستوفية للمعايير.
ومن أصل 418 طلباً لتمويل دعم 256,990 ناجياً، اعتُبر 279 طلباً جديراً بالتمويل بقيمة 16.5 مليون دولار، لكن الموارد المتاحة لا تسمح إلا بـ60 منحة سنوية بقيمة إجمالية 1.2 مليون دولار، أي 20 ألف دولار لكل مشروع في 52 بلداً، يستفيد منها نحو 8 آلاف شخص فقط.
معايير مناهضة التعذيب
هذا التقليص الحاد لا يعني أرقاماً فحسب، بل انقطاع علاج نفسي لضحايا صدمات معقدة، وحرمان من مساعدة قانونية تفتح باب المساءلة، وتوقف برامج إدماج اجتماعي تعيد للناجين بعضاً من كرامتهم.
كما يهدد استدامة منظمات شريكة تعمل في بيئات تتقلص فيها المساحة المدنية، وتواجه مضايقات ومراقبة وتهديدات وتشريعات تقييدية وتجميد حسابات مصرفية.
ويؤكد التقرير أن دعم الصندوق ليس إحساناً، بل تجسيد لالتزام الدول بحق الضحايا في الانتصاف الفعال، كما تقره المعايير الدولية لمناهضة التعذيب.
ومن دون تمويل كافٍ تتعرض منظومة إعادة التأهيل العالمية لانتكاسة، ويتراجع الأثر الردعي للمساءلة، ويُترك الناجون وحدهم في مواجهة آثار انتهاك يمس جوهر الكرامة الإنسانية.
وفي ختام التقرير يوجه الأمين العام نداءً مباشراً إلى الدول الأعضاء وجميع الجهات المانحة لزيادة إسهاماتها، بوصف ذلك تعبيراً ملموساً عن الالتزام بالقضاء على التعذيب وضمان جبر ضرره، ولا سيما أن المعركة ضد التعذيب لا تُخاض في قاعات المحاكم وحدها، بل أيضاً في غرف العلاج ومراكز الدعم التي تُبقي الأمل حياً، وتعزز قيمة الحق في التعافي.











